أحدث المقالات
جاري تحميل المقالات...

الثلاثاء، 23 يونيو 2026

كيف زرع طبيب أدلة كاذبة داخل جسده...أغرب قضية تلاعب بالـ DNA في التاريخ!

 تخيل أن تقع ضحية لأبشع جريمة ممكنة، وعندما تذهب للشرطة بالدليل المادي، يقف العلم في صف الجاني ويثبت كذبك! هذه ليست حبكة لفيلم سينمائى، بل هي حقيقة مؤلمة عاشتها شابة كندية لمدة سبع سنوات، فقط لأن الجاني كان جراحاً "أذكى" من أن يكشف.

كيف استخدم هذا الطبيب مشرطه الطبي ليزرع دليلاً مزيفاً داخل جسده؟ وكيف تهرب لسنوات من جرائم الاعتداء رغم وجود البصمة الوراثية؟ هذه الواقعة لا تزال تُدرس في مناهج الطب الشرعي حول العالم كأبرز حالة تلاعب بالأدلة البيولوجية.

بداية الكابوس: أكتوبر 1992

في بلدة صغيرة بمقاطعة "ساسكاتشوان" الكندية، كانت كانديس فونك (المعروفة بـ "كاندي")، وهي أم شابة في الـ 21 من عمرها، تعاني من نوبات هلع حادة. في أحد الأيام، داهمتها نوبة شديدة، فقصدت العيادة الخارجية للمستشفى المحلي طلبًا لمهدئ.

هناك، فحصها الدكتور جون شنيبرجر، الذي كان أشهر طبيب في البلدة ويحظى باحترام ومحبة الجميع. طمأنها الطبيب وأكد لها أن الأمر لا يتعدى كونه إرهاقاً وتوتراً، ثم حقنها بمهدئ قوي جداً غابت على إثره عن الوعي فوراً.

حين بدأت كاندي تسترد وعيها، شعرت بآلام جسدية شديدة، ولاحظت آثاراً على ملابسها تشير بوضوح إلى تعرضها للاعتداء. برغم الصدمة، تملكت كاندي شجاعتها، ووضعت ملابسها في كيس بلاستيكي لتحتفظ بها كدليل مادي، وفي اليوم التالي توجهت مباشرة إلى قسم الشرطة وقدمت بلاغاً رسمياً ضد الطبيب وسلمتهم الأدلة.

صدمة الـ DNA وبراءة الطبيب

أنكر الدكتور شنيبرجر الاتهامات جملة وتفصيلاً، مستنداً إلى سمعته الطيبة ومكانته الاجتماعية، بل وأبدى استعداداً تاماً للخضوع لأي تحليل يثبت كذب ادعاءات الفتاة.

امتثلت الشرطة للأمر، وأجرت تحليلاً للبصمة الوراثية (DNA) بمقارنة الآثار الموجودة على الملابس بعينة دم سُحبت من الطبيب. وهنا كانت الصدمة الكبرى: النتائج غير متطابقة! العلم كان يقول إن الطبيب بريء وأن الجاني شخص آخر.

انقلب مجتمع البلدة ضد كاندي، وتعاطفوا مع الطبيب "المظلوم" الذي ادعى أن الفتاة تحاول ابتزازه مالياً، وأُغلقت القضية. ورغم العزلة والرفض الاجتماعي، لم تستسلم كاندي، وكانت واثقة من حدوث تلاعب ما.

المحقق الخاص والمحاولة الثانية: 1996

بعد أربع سنوات من المعاناة، قررت كاندي الاستعانة بمحقق خاص لمراقبة الطبيب. نجح المحقق في التقاط منديل وكوب قهوة ورقي تخلص منهما الطبيب في سلة مهملات عامة. أُرسلت هذه المواد إلى مختبر خاص لإجراء تحليل الـ DNA على نفقتهم الخاصة، وجاءت النتيجة مفاجئة: تطابق بنسبة 100% مع الآثار الموجودة على ملابس كاندي!

أعادت الشرطة فتح القضية بناءً على هذا الدليل الجديد، واستُدعي الطبيب الذي وافق مجدداً بكل ثقة وبرود على سحب عينة دم أخرى. وللمرة الثانية، جاءت نتيجة عينة الدم المخبرية غير متطابقة! تسبب ذلك في زيادة كراهية أهل البلدة لكاندي، وتم فصلها من عملها، وأُغلقت القضية مجدداً.

(أُعيد فتح القضية وإجراء التحليل ثلاث مرات، وفي كل مرة كان الطبيب يذهب طواعية وبثقة تامة لتطلع النتيجة لصالحه، مما جعل إدانته أمراً شبه مستحيل).

نقطة التحول والمفاجأة الصادمة

بعد نحو عام، تكشفت الحقيقة المرعبة من داخل بيت الطبيب نفسه. لجأت ابنة زوجته (طفلة تبلغ من العمر 13 عاماً) إلى والدتها باكية، وأخبرتها أن زوج والدتها، الدكتور جون، يعطيها حقناً مهدئة ليلاً وينهش براءتها.

الزوجة -والتي كانت طبيبة هي الأخرى- بدأت تفتش في مكتب زوجها لتجد نفس المادة المخدرة التي تحدثت عنها كاندي قبل سنوات. طلبت الزوجة الطلاق فوراً، وتوجهت لإبلاغ الشرطة، معلنةً وقوفها في صف كاندي، ومطالبةً بإعادة فتح القضية للمرة الرابعة.

كشف الحيلة الشيطانية: 1999

أدركت الشرطة أن هناك لغزاً كبيراً يجب حله. وافقت على فتح القضية للمرة الرابعة، ولكن هذه المرة تحت إشراف صارم وتصوير فيديو مباشر لعملية السحب من قِبل مدير الشرطة شخصياً. لم تكتفِ الشرطة بعينة الدم؛ بل أخذت مسحة لعاب من فمه، وشعيرات من رأسه، بالإضافة إلى عينة الدم.

وجاءت النتيجة الطبية لتصعق الجميع:-

عينات اللعاب والشعر: مطابقة تماماً لـ DNA المغتصب.

عينة الدم: مختلفة تماماً!

أمام هذا التناقض العلمي الفاضح، ضيقت الشرطة الخناق عليه وأخضعوا ذراعه لفحص طبي دقيق، لينهار الطبيب ويعترف بخدعته الجراحية الخبيثة.

كيف خدع الطبيب العلم والشرطة؟

استغل الدكتور جون شنيبرجر مهارته كجراح، وقام بابتكار حيلة لم يسبقه إليها أحد:

  1. العملية السرية: قام بإجراء جراحة دقيقة لنفسه في ذراعه، حيث زرع أنبوباً بلاستيكياً طبياً رفيعاً تحت الجلد موازياً للوريد.

  2. سرقة الدم: ملأ هذا الأنبوب بدم سحبه من أحد مرضاه دون علمه، وخلطه بمادة تمنع التجلط.

  3. التضليل أثناء السحب: في كل مرة كانت تأتي الممرضة لسحب الدم، كان يقنعها بذكاء بوجود مشاكل في أوردته المعتادة، ويوجهها لتسحب من منطقة الأنبوب المزروع، فكانت الإبرة تدخل الأنبوب البلاستيكي وتسحب دم المريض الآخر، فيخرج التحليل مبرئاً له في كل مرة.

النهاية والعدالة المتأخرة

في عام 1999، وبعد كشف هذه الحيلة، ظهرت براءة كاندي فونك أمام العالم بعد سنوات من الظلم والاضطهاد. أدانت المحكمة جون شنيبرجر بتهم الاغتصاب وعرقلة سير العدالة، وحُكم عليه بالسجن لمدة 9 سنوات، كما تم شطب اسمه نهائياً من نقابة الأطباء وسحب رخصته الطبية.

ألهمت هذه القضية المعقدة العديد من الأفلام الوثائقية والدرامية، وظلت تُدرس كدرس قاصٍ في تاريخ الطب الشرعي عن الحدود التي يمكن أن يصل إليها الذكاء الإجرامي لتضليل العدالة.

هذه صفحة حديثة
التعليقات
0 التعليقات